الرسالة العاشورائية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
السلام على
الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين
السلام عليك يا أبا الفضل العباس ، السلام عليك يا زينب الحوراء ورحمة الله وبركاته .


إنَّ الرسالة العاشورائية هي تبليغ ودعوة إلى الإنسانية جمعاء ولذا ينبغي أن لا يقتصر النظر فيها على البُعد العاطفي والطابع المأساوي المنبثق عن الفاجعة العظمى التي تعرض لها الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته البررة وصحابته الأوفياء لتُستغل شعيرتها الرسالية في إطار ضيِّق أو قد يُساء إحيائها لأنَّ الهدف من إحياء ذكرى عاشوراء لم ينحصر باستحضار طبيعة الفاجعة في نفوس وعقول الناس لكسب ودهم وميلهم العاطفي في كل سنة من عاشوراء وإن كان هذا الأمر مطلوباً من جهة المواساة وتحريك مشاعر الناس إلا أنَّ ما وراءه أهم وأعظم وهو الهدف الرئيسي من الرسالة الحسينية التي تطالب بتفعيل حركة الأمة وتحديد مسارها من جهة الولاء والبراء بشكل لا ينفك عن الحركة والسكون إضافة إلى رفض التسامح في أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تفاصيل حياتنا النظرية والعملية من أجل بناء أمة واعية وقوية وناهضة لا تخرج عن حدود الاستقامة في معرفة إمامها ومتابعته والقيام بأعباء الرسالة لمقاومة ومقارعة الظلم والفساد الصادر ممن يتقمصون لباس الخلافة والإمارة والحاكمية وقيادة المجتمع من السفهاء والطغاة ومن المتلبسين زورا وبهتاناً بلباس أهل العلم والدّين من اللصوص والمجرمين والمنافقين والدّجالين الساعين بذلك لتضليل الناس وتغريرهم بالجهل وبالتالي مصادرة حقوق الشعوب وإرادتهم وشراء ذممهم ودينهم حيث صار هؤلاء جميعاً وللأسف الشديد ينطقون باسم الله والدّين وأئمته وعلمائه ولذا ينبغي اتخاذ الدور الرسالي في كل زمان ومكان بحسب ما يقتضيه المقام الشرعي للمكلفين من أجل الإصلاح وإفشاء السلام وتحقيق العدالة ونشر مبدأ التكافل الاجتماعي وتطهير مجتمعنا من عناصر الجاهلية التي تستغل أماكن العبادة والمواكب لتجعل منها غطاءاً لهم يُمارسون من خلاله دور العصابات والميليشيات التي تقوم بسرقة أموال الحسين عليه السلام وتُهدِّد الناس وتبتزهم لتكون قوة رابحة وضاغطة بيد الأحزاب الشيطانية والنفوس الحقيرة لتحقيق أهدافها المريضة ، ونحن نعلم علم اليقين بتغلغل عناصر وصولية ونفعية ومنافقة تعمل بالرياء وتُتاجر بالدّين والشعيرة تَنْدَس بين صفوف المؤمنين المخلصين لتضليلهم وحرف مسارهم بالترغيب والترهيب والحيلة وتسعى جاهدة لقيادة المواكب وجمع الأموال والمتاجرة بهذه المواكب وعرضها في المزاد العلني أمام القوى والتيارات الحزبية التي تبحث عن تعبئة جماهيرية لأهداف سياسية وإعلامية وانتخابية مع أخذ وعود منهم بتحصيل مكاسب وظيفية وامتيازات معنوية يستفيدون منها في حياتهم الدنيوية الخاصة بعد أن يبيعوا دينهم وكرامتهم لتلك الجهات ولم يكن هذا أمراً خافياً بل عامة الناس يرصدون هذه المسلكيات المنحرفة الضالّة المدعومة بقوة ونفوذ الحكومة والجهات الأمنية الفاسدة والأحزاب النافذة والمتاجِرة بالدّين ولكنَّ الناس يتأسفون لحدوث هذه الخروقات ولا يملكون القوة للسيطرة عليها بل كل ما يُمكنهم فعله هو عزل وفصل وطرد هذه الجماعات ما أمكنهم إلى ذلك من سبيل وإلا فالقوى الضاغطة والحاكمة غالباً ما تكون طاغية ومستحكمة بنفوذها على هذه المواكب وبالتالي فإنَّ المتاجرين بالدِّين وشعيرة الإمام الحسين عليه السلام يستلذون بأكل الحرام ومحاربة الشرفاء الأخيار ويخلطون الأوراق على الناس ويكونوا مصدر فتنة وفرقة وصراع وزرع للأحقاد ويتسببون بحدوث أزمة ثقة وأزمة تدين وأزمة أخلاق داخل المجتمعات الطاهرة ، وبعد ملاحظة هذه القضايا وغيرها يجب علينا أن نستفيد من الرسالة الحسينية ومدرستها الإلهية التي تضمنت شُعَب الحياة المختلفة بتجربتها الرائدة التي ليس لها نظير في العالم ونعيش معها الانتماء الخالص والعمل الصادق والولاء الحقيقي والالتزام الديني لنحيي الشعائر الحسينية بنوايا خالصة متقرب بها إلى الله تعالى مُدركين حقيقة المودة والولاء التي هي مصدر هداية وإشعاع لنشر السلام والمودة والمحبة والداعية إلى مراجعة النفس ومراعاة حقوق الناس وإعلان التوبة النصوح وتجنب الزمر المنافقة والخائنة والغادرة ومنع تمكينهم من قيادة المجتمع تحت أيِّ عنوان لأنَّ هؤلاء القوم أبناء القوم الذين خانوا وغدروا وقتلوا الإمام الحسين عليه السلام وحاربوا قضيته الرسالية ومنهجه الإلهي منذ السقيفة وحتى واقعة كربلاء وإلى يومنا هذا مع علمهم بمقام أهل البيت عليهم السلام بما فيهم سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم الإمام الحسين عليه السلام وطبيعة رسالته وأنَّه مصباح هدى وسفينة نجاة وإدراكهم واقع خصومه الجاهليين وأهدافهم الشيطانية .
وبرغم ما يبثه يزيد بن معاوية وأتباعه من المنافقين والمرتزقة من سموم وأباطيل لتضليل الناس ، وبرغم السيرة الإرهابية الدموية الموروثة لهؤلاء الأعداء وبذل كل طاقاتهم وإمكاناتهم للتسلط على رقاب المؤمنين واستضعافهم ونهب خيراتهم وسلب تدينهم وسفك دمائهم إلا أنَّ مدرسة الإمام
الحسين عليه السلام تبقى حيَّة دائماً بمواقفها ودروسها ومفرداتها المتنوعة والتي كانت وما زالت وإلى أن تقوم الساعة تعتبر المسلكية الرسالية الناجعة والركيزة الأساسية لاستنهاض الهِمَمْ وتقوِّية العزائم ورسم منهجية عمل الإصلاحيين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الذين يسعون جادِّين لقطع دابر الفساد والمفسدين في الأرض والعابثين والمتلاعبين بحقوق ومقدرات الشعوب المستضعفة ، وهذا يتطلب جهداً جماعياً وحركياً واسعاً على الساحة العملية لخلق حالة الوعي الجماهيري للأمة على كافة الصُعُد سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو تعبوية متفرعة جميعها عن الوعي الديني والارتباط الحقيقي بالقيادات الرسالية لأمة الإسلام ، ومن مفردات هذا العمل هو التصدِّي لبيان مظلومية أهل البيت عليهم السلام وصحابتهم البررة والموالين لهم إلى يومنا هذا بحجج شرعية وعقلية وتاريخية دامغة ومواقف حركية حيّة تدحض شبهات المُضلِّين والنواصب وتُشيع ثقافة الجُود والإيثار والعزة ومقاومة الطغاة وأذنابهم الأذلاء كما وتُشجِّع على رفض الذلة والاستسلام للباطل كما قال الإمام الحسين عليه السلام : ( لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرُّ فِرار العَبيد) ، (هيهات منّا الذلة ، يأبى الله لنَا ذلكَ وَرَسولهُ والمؤمنون) ، وتمتنع عن مبايعة الأعداء والظالمين لقوله عليه السلام : (ومثلي لا يُبايع مثله) ، وغيرها من المواقف والمبادئ الرسالية الكثيرة إضافة إلى إمكان استثمار الرسالة العاشورائية في قضايا الإسلام الهادفة واستنقاذ حقوق المظلومين وتصحيح مسيرة المنحرفين وكشف ضلالة المناوئين والمنافقين والجبناء ، ولا غرابة في أن نقول أنَّ الجبان يصدر عنه كُلَّ قبيح كالبخل والكذب والخيانة والغدر والسرقة والنفاق وما إلى ذلك .
ولا ننسى أن نخاطب الأنصار الحقيقيين ونقول : لطالما بذلتم الغالي والنفيس ولا زلتم من أجل الحفاظ على الدِّين ورموزه الصادقين وشعائره الدينية عموماً والحسينية على وجه الخصوص ، وهذا إنما يدل على طهارة مولدكم وطيب أصلكم وصدق التزامكم وحسن سيرتكم وسريرتكم وولائكم الصحيح وارتباطكم الصادق بمبادئ الإسلام وانتمائكم إلى أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم أجمعين ، فهنيئاً لكم العمل للإسلام ونُصرة الحق والدفاع عن المظلوم والولاية لمحمد وآل محمد وحشركم معهم ونصركم الله تعالى في قضاياكم ومواقفكم الرسالية إنَّه نعم المولى ونعم النصير والحمد لله ربّ العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


أبو الحسن حميد المقدّس الغريفي              
10/محرم الحرام/1435هـ                  
 المصادف 14/11/2013م                 
النجف الأشرف