الإمام المهدي والمسيح عيسى عليهما السلام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدِّين.

قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) المائدة/51-52 .
وقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) المائدة/57.

حينما نتكلم عن المهدي والمسيح عليهما السلام لا نغفل عن كون الإسلام هو خاتم الشرائع السماوية وأنَّ الإمام المهدي عليه السلام في هذا الزمان هو الممثل الشرعي عن الدّين الإسلامي والقائد المركزي الواقعي لهذا العالم فيتبعه المؤمنون ويسير تحت رايته وقيادته المسيح عيسى عليه السلام ويُصَلّي خلفه عند ظهوره كما هو متفق عليه بين المسلمين ، فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم . (صحيح البخاري/ باب – 50- 3- نزول عيسى بن مريم عليهما السلام / رقم الحديث 3265 – وفي طبعة أخرى منه ج4 ص 143 ) .
وقد تزامن اليوم ذكرى ولادة السيد المسيح 1/1/2015م مع اليوم الأول لتتويج المهدي بالإمامة والخلافة 9/ربيع1/1436هـ ولذا جمعت ذكرهما في مقالتي لبيان أن العالم اليوم منقسم في احتفاليته بهاتين المناسبتين إلى قسمين ؛ فمنهم مَن يحتفل بمولد السيد المسيح عليه السلام ويُقيم لذلك الطقوس الخاصة في الكنائس من قدّاس وفي الميادين والشوارع وغيرها من احتفاليات بأساليب مختلفة وهذا ما يقوم به النصارى ، ومنهم مَن يحتفل بتتويج المهدي عليه السلام بالإمامة والخلافة كبشارة مُهداة إلى العالم لأنَّه الإمام القائد والمخلِّص المُنقذ الذي ينتظره المؤمنون والمستضعفون في عموم العالم ويُقيم لذلك شعيرة احياء هذا الحدث الكوني العظيم الذي ينبض بالحياة في كُل لحظة والإيمان في كل حركة وهذا ما يقوم به المسلمون الشيعة لأنَّهم مأمورون بإحياء أمر أئمة أهل البيت عليهم السلام ومن أهم ذلك إحياء أمر الغدير بتولية علي بن أبي طالب عليه السلام إماماً وخليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذا بيان الرسالة العاشورائية للإمام الحسين عليه السلام وأيضاً ما يتعلق بمولد الإمام المهدي عليه السلام وأمر تتويجه بالخلافة الفعلية الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا كما مُلئت ظلماً وجورا وهذا لا يعني عدم احياء الكثير من المناسبات بل الواقع العملي أنَّ الشيعة يُقيموها لأنَّها إحياءٌ لأمر أهل البيت عليهم السلام وتُمثل إمامة الأئمة عليهم السلام واحداً بعد آخر وحركتهم داخل المجتمع السيرة التكاملية في تطبيقات الشريعة حتى تكتمل التطبيقات بظهور الإمام المهدي عليه السلام وقيامه بالأمر لقيادة العالم وخلاصه كما اكتمل وتم التبليغ على يد رسول الإنسانية الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي الوقت الذي دعا الإسلام فيه إلى التعارف والمحبة والتعايش السلمي بين الشعوب لأنَّ الناس صنفان كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : إمّا أخ لك في الدّين أو نظير لك في الخلق . فيتم التعامل معهم وفق هذا المنظور الإنساني بالحكمة والموعظة الحسنة وبآليات صحيحة لينتج عن ذلك كُلّ خير للأمم والشعوب ، وبطبيعة الحال فإنَّ هذا لا يمنع من احتفاظ المسلم بمبادئه وقيمه وخصوصياته الدينية وفق ضوابط وموازين الأحكام الشرعية لكي لا يخرج عن الحدود المرسومة له في حفظ الشريعة وصون المقدسات وأداء التكاليف وإبراء الذمة ، وإنَّ التزامه بتعاليم دينه يمنحه الهوية الصالحة والقوة في الإيمان والمهابة أمام المخالفين بخلاف الهجين الذي يتصف بشخصية مزدوجة ضعيفة فيخلط بين الحق والباطل ويسلك مسالك مختلفة واتجاهات متباينة ومواقف متضادة على حساب دينه وكرامته من أجل مصالح دنيوية ضيِّقة .
ومن هنا وبعد الوقائع المريرة والمشاهد المريبة المتكررة في احياء ذكرى مولد السيد المسيح عليه السلام نجد و للأسف الشديد أنَّ كثيراً من المسلمين صاروا يُبالغون في علاقاتهم مع أرباب الشرائع والديانات الأخرى إلى درجة الإفراط في المجاملة الدينية إلى جنب التفريط بأحكام الشرع الإسلامي رعايةً لمصالح سياسية وحزبية وشخصية ضيِّقة أو جهل بضوابط وموازين الشريعة أو وقوعهم في شراك عمليات التضليل ، فيحضر المسلمون في احتفالات أعياد الميلاد وقُدّاس الكنائس والأديرة وإظهار التهاني والتبريكات والتمجيد بأبلغ الكلام في محافلهم ليتقمصوا النصرانية أكثر من النصارى وهكذا الحال مع باقي الشرائع والديانات الأخرى ويظهر ذلك على القنوات الفضائية والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي على النت وغيره ويحصل تبادل التهاني بأعياد الميلاد ليكونوا مصداقاً واضحاً لترويج الباطل والضلال والفساد ، وهذا يكشف عن وجود أزمة تدين و فراغ عقدي وغياب الوعي الثقافي والتربوي لدى الكثير من الناس بفعل السياسات الغاشمة للأحزاب المتاجرة بالدّين والتي شغلت المسلمين بالصراعات الطائفية والمذهبية والقومية والحزبية من أجل المناصب والمكاسب والنفوذ وارتكاب المظالم والتحالفات المحرمة والأخرى المشبوهة مما ساعد ذلك كُلّه على ظهور الحركات الضالّة والأفكار الهدّامة وشيوع التوجهات الالحادية والعلمانية والليبرالية والنفور عن التوجه الإسلامي الأصيل وقادته الأمناء الرساليين ولذا ترك الكثير احياء شعيرة تتويج المهدي عليه السلام بالإمامة والخلافة والمتزامنة مع ذكرى مولد السيد المسيح عليه السلام وذهبوا إلى الكنائس والميادين العامة لحضور احتفالات وطقوس المولد مع النصارى بالرغم من كون المهدي عليه السلام إمام الأمة الواقعي والقائد العالمي والمُصلح الكوني الأعظم والبشارة العُظمى والذي يحمل أوسع وأكمل رسالة عالمية وأنَّ السيد المسيح عليه السلام يعترف بإمامته وقيادته ولذا يقتدي به ويسير تحت لوائه !!! .
وبعد الذي بَيّنا ينبغي للمسلم أن يلتزم بمضمون الآيات الكريمة التي ذكرناها ليكون على بصيرة من أمره لكي لا يتولى اليهود والنصارى فيكون منهم ويُحسَب عليهم في الدنيا والآخرة لأنَّه (َمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) .
ونسأل الله العلي القدير أن ينصر الإسلام والمسلمين على الكفر والمنافقين وأن يُعجِّل فرج ولينا وإمامنا صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن عليه السلام وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه والذابِّين عنه والمُسَلِّمين لأمره والمستشهدين بين يديه تحت لوائه ، وصلى الله على سيِّدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أبو الحسن حميد المُقَدَّس الغريفي
حُرِّر بتاريخ 9/ربيع الأول / 1436هـ
والموافق 1/1/2015م .
النجف الأشرف .