حكم الصلاة منفرداً إثناء قيام صلاة الجماعة

  

   من المعلوم ان الله سبحانه وتعالى هو واجب الوجود وخالق هذا الوجود والمنعم علينا بالوجود لذلك كان من الواجب علينا شكر هذا المنعم ,والتعبير عن هذا الشكر يكون بأمتثال اوامره والاخلاص في طاعته لتتحقق هذه اصلة بين واجب الوجوب وهو الله وموجوداته التي تعود المصلحة فيها اولاً واخراً الى هذا الموجود وهو الانسان الذي يمثل افضل موجودات الله سبحانه وتعالى لذا كان لا بد ان يعيش هذا الانسان ضمن نظام يضمن له السلامة في عالم الدنيا والاخرة .

  وقد تعهد الله سبحانه وتعالى ببيان هذا النظام البيان التشريعي المقوم لحركية الانسان في بناء علاقته مع الله اولاً والتي تتفرع عنها العلاقات الاخرى التي تقع ضمن ضوابط النظام التشريعي والتي تحفض فيها حقوق الانسان وسلامته من الوقوع في الخطر.

  واول تشريع يمثل جلنب الصلة بين الانسان وربه ويقع تحت عنوان شكر المنعم هي الصلاة لذا صدر الامر الالهي بأدائها وكما هو معلوم ان الامر ينصرف الى الوجوب المعبر عن الشوق الاكيد نحو تحقيق هذا المطلوب ولما كان هذا التشريع يدور ضمن نظام التكليف صار الحكم على هذه الصلاة هو الوجوب العيني كما فهم ذلك من خطابات الشارع .

اذن الصلاة مطلوبة من المكلفين بالوجوب العيني ولشدة مطلوبيتها والشوق اليها انها لا تسقط بحال من الاحوال وللتأكيد على ما فيه مصلحة للأنسان حث الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله (ص) ان تكون هذه الصلاة في جماعة لأن هذه الصورة والهيئة محبوبة لله سبحانه وتعالى لتجسد صفات الخير فيها من الالفة والمحبة والاجتماع لله سبحانه وتعالى فرغب لها وجعل بازائها ثواب لا يعد ولا يحصى اذا زاد عددهم على عشرة، كل ذلك لأجل وجود مصلحة عظمى من الصلاة وخصوصا اذا كانت في جماعة.

  اذن الصلاة مطلوبة في الوجوب العيني وقيامها جماعة مطلوب بالاستحباب المؤكد ففيهم ان الكلا الامرين مطلوب لله تعالى شدةً وضعفاً ، وبعد هذه المقدمة البسيطة نسأل:-

 هل يجوز ان نحارب ما هو مطلوب لله تعالى وبذرائع مختلفة؟

 الجواب: الاسباب والذرائع كثيرة منها وهمية نتيجة سوء الفهم والتفاهم والدخول في عالم التصورات بعيداً عن الواقع، ومنها مصطنعة لأجل تمرير الاباطيل والضلالات على الناس وهي نابعة من نفوس تعيش حالة المرض والسفه والحقد، ومنها حقيقة لكنها لا تصل الى درجة الفسق والضلالة ، ومنها ايضاً حقيقية لكنها تؤدي بالانسان الى الفسق بلا مجاهرة اي بينه وبين الله سبحانه .

 وبحسب الحالات المذكورة لا يجوز شرعاً اعلان الحرب على هذه الصلاة لأن فيها اثار الفتنة والنزاع المترتب عليهما مفاسد كثيرة . قال تعالى في سورة العلق/9-14 ((أرأيت الذي ينهى! عبداً اذا صلى! أرأيت ان كان على الهدى ! او أمر بالتقوى ! أرأيت ان كذب وتولى ! ألم يعلم بان الله يرى !  )) .

فهذه ذرائع يمكن ان يدعيها انسان على آخر ولا اثبات الا ما يضمره في نفسه وغالباً ما تكون مثل هذه الامور متبادلة بين جميع الاطراف .

   فأذا حاربت ونهيت عن الصلاة بذريعة عدم عدالة الامام , فمن يثبت انك عالم وعادل لتميز فيما هو عدل وفسق وتدرك موارد انطباقها على المكلفين .

    فقد سبق ان اهل النفاق طعنوا برسول الله (ص) في موارد كثيرة قد تعرض لبعضها القرآن العظيم وكذلك مع علي بن ابي طالب (ع) وسائر الائمة (ع) وما نراه اليوم من الطعن والتجريح بمراجعنا العظام ،  وعلمائِنا الافذاذ وهذه امور لا تغيب على اهل العلم والمعرفة .

فلو فسح الشارع المقدس المجال لمثل هذه الطعون فسوف يكون سبباً لايجاد مجتمع فاسق لان الجميع يفسق احدهم الاخر ولاسباب واهيه التي تقع غالباً في قضايا شخصيه وسوء فهم وتفاهم وأرتياحات وامزجه وخلاف في الرأي وكل هذا لا يؤدي الى الحكم بالفسق .

وامثال هذا درسناه في علم الرجال لمعرفة تعديل وتجريح الرواة , فقد تم تجريح بعض الرجال لأسباب واهيه منها انه امتخط في الشارع او اكل في الشارع او تأخر في قضاء حاجة او لم يحضر المجلس الفلاني او لوجود شبهه وهكذا فيعيشون حالة الاوهام او ان النفوس مريضة فيصطنعون اسباب الخلاف ولا يجدون الامثال هذه , ولربما يتعدون الى الافترا ء من اجل تمرير الاباطيل  والضلالات على الناس .

ولذلك كان الجواب هو حرمة محاربة صلاة الجماعة لأنها مطلوبة لله سبحانه وتعالى .

 واذا كنت لا تثق بعدالة امام الجماعة فعليك بنفسق بأن لا تقتدي به وليس لك ان تحارب الصلاة او تحرض على ذلك .

 فأذا قمت للصلاة على نحو الانفراد اثناء صلاة الجماعة فأن صلاتك منهّي عنها فتقع باطل لأنها تعريض وتجريح وإهانه لإمام الجماعة وللمصلين ايضاً وبهذ تزرع روح الفرقة والنزاع في المجتمع وهذا حرام قطعاً

 فلِمَ تريد ان تفرض رأيك الشخصي على الجميع لأسباب انت وحدك تؤمن بها وتريد ان تتحزب لها ؟

  وربما تسأل ان صلاة المنفرد ايضاً مطلوبة لله تعالى فلِمَ تقع باطله؟

والجواب : صحيح انها مطلوبة بالعنوان الأولي وهو خطاب المولى بالوجوب العيني على كل المكلفين , ولكن هذا الخطاب اثناء قيام صلاة الجماعة ينقلب من الوجوب الى الحرمة بمعنى يحرم عليك الصلاة ضراراً لوجود مفسدة فيها فيجب ان تغير مكانك او تصلي متأخر زماناً عن صلاة الجماعة , لأن العناوين الثانوية مثل وجود المضار بالطعن و الإهانه والتجريح لإمام الجماعة ولعموم المصلين حاكمة على العناوين الأولية وهو وجوب الصلاة . ولهذا كانت صلاة المنفرد اثناء قيام صلاة الجماعة باطلة , لأنها صلاة ضرار وفتنة ونزاع في حين ان الصلاة لله تعالى لا يضار بها احد كما ان الصلاة يجب ان تستجمع فيها شرائط الخلوص لله تعالى بلا رياء ولا مضارة لأنهما يفسدان العمل .

ولهذا افتى السيد محمد الصدر (قدس) في مسألة130/ج1/كتاب مسائل وردود.

 بأن لا يجوز له ان يصلي منفرداً ولا مؤتماً حين انعقاد صلاة الجماعة .       

وافتى ايضا الشيخ الغروي (قدس) في كتابه (طريق النجاة ) مسألة(70) بأن الصلاة منفرداً لا تجوز اذا عدت تفسيقاً  للإمام كما انها باطلة .

 وفي مسألة(75) من نفس الكتاب اذا كان المصلي منفرداً لا يقصد بصلاته هتك حرمة الامام فما هو الحكم؟ 

فأجاب (قدس) : اذا عُدّ عند العُرف اهانه كفى في بطلان الصلاة .

وكما تعلم أيها الأخ المؤمن ان شدة اهتمام الشارع بصلاة الجماعة جعل عقوبة لتاركها كما سنذكر الروايات في ذلك , وتكون من باب أولى العقوبة لمن يهتك هذه الصلاة أو يحاربها ومن جملة موارد هتك الصلاة ومحاربتها هي صلاة الانفراد أثناء قيام صلاة الجماعة لذا كان الحكم عليها ببطلان هذه الصلاة واستحقاقه الاثم على هذه المحاربة, فإذا فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع من ربقة الإسلام فكيف بمن يطعن ويهتك جماعة المسلمين فالعقوبة تكون اشد ؟

والان نذكر بعض الروايات في عقوبة تارك الجماعة ليحصل لك اليقين من باب اولى بشدة عقوبة المحارب لهذه الصلاة.

 

(الروايات في عقوبة تارك الصلاة)

 

1- عن الصادق عليه السلام عن ابائه قال   :اشترط رسول الله (ص) على جيران المسجد شهود الصلاة , وقال: لينتهين اقوامٌ لا يشهدون الصلاة او لأمرن مؤذناً يؤذن ثم يقيم ثم آمر رجل من اهل بيتي وهو علي بن ابي طالب(ع) فليحرقن على اقوامٍ بيوتهم بحزم الحطب لانهم لا يأتون الصلاة .

2- عن ابي جعفر (ع) قال    : من ترك الجماعة رغبة عنها وعن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له .  

3- عن ابي عبدالله (ع) قال    : انما جعلت الجماعة والاجتماع الى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي , ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع ولولا ذلك لم يكن أحداً ام يشهد على احد بالصلاح , لأن من لم يصلي في جماعة فلا صلاة له بين المسلمين , لأن رسول الله (ص) قال: لا صلاة لمن لم يصلِ في المسجد مع المسلمين الا من عله .

4- عن ابي عبد الله (ع) قال : همّ رسول الله (ص) بأحراق قوم في منازلهم كانوا يصلون في منازلهم ولا يصلون جماعة , فأتاه رجل اعمى فقال: يا رسول الله انا ضرير البصر وربما اسمع النداء ولا اجد من يقودني الى الجماعة والصلاة معك فقال له النبي (ص) شد من منزلك الى المسجد حبلاً وأحضر الجماعه.

5- قال الامام الصادق(ع)   : من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلعمن ربقة الاسلام.

6- عن النبي (ص)   : اذا سألت عمن لايشهد الجماعة, فقل: لااعرفه.

7- عن عبدالله  بن ابي يعفور قال    : قلت : لأبي عبدالله(ع) بمَ تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم ؟

  فقال :... الخ ، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس اذا واظب عليها وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين وان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم الا من علة ، .... وكيف يقبل شهادة او عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله عز وجل ومن رسوله (ص) فيه الحرق في جوف بيته بالنار لتركهم الحضور لجماعة المسلمين .

8- قال رسول الله (ص)    : لا غيبة إلا لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا ، ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته ، وسقطت بينهم عدالته ووجب هجرانه واذا رفع الى امام المسلمين انذره وحذره ، فأن حضر جماعة المسلمين ، وإلا احرق عليه بيته ، ومن لزم جماعتهم حرمة عليهم غيبته ، وثبتت عدالته .

 9 - قال رسول الله (ص)     : سلموا على اليهود والنصارى ولا تسلموا على يهود امتي ، قيل يا رسول الله ومن يهود امتك ؟ قال : اللذين لا يحضرون صلاة الجماعة .

10- قال امير المؤمنين (ع)    : ان قوماً لا يحضرون معنا في مساجدنا فلا يواكلونا ولا يشاربونا ولا يشاورونا ولا يناكحونا ولا يأخذون من فيئنا شيئاً او يحضروا معنا صلاتنا واني لأوشك ان امر لهم بنار تشتعل في دورهم فأحرقه عليهم او ينتهوا فأمتنع المسلمون عن مواكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم وغيرها حتى حضروا الجماعة مع المسلمين .