العراقيون ابنائنا ولكن

 

  من منطلق روح الابوة الصادقة فأن تطبيق العدالة بين العراقيين بكل اطيافهم انما تحصل وفق الاستحقاقات الشرعية الراجعة الى وضع الامور في نصابها الصحيح بعيدا عن الظلم والتعدي وسلب الحقوق والامتيازات بذرائع مختلقة ومكذوبة لأجل تصفية حسابات شخصية او تحقيق رغبات مزاجية ومطامع دنيوية فعلينا اذن بوجود مثل هذه الامور ان نتابع النقد الذاتي البناء للممارسات الخاطئة عند الابناء ولا يعتبر هذا عداءا وانتقاما لأن الاُسَروالمجتمعات والشعوب اذا اعتمدت تكتيم الحقائق وابقاء الاخطاء على حالها فسيكون هذا الانسان واقعا بين النقد الذاتي او النقد العدائي لا محالة ، ولذا يجب علينا من منطلق روح الابوة الحانية والعادلة والصادقة في مسيرتها ان تلحظ دائما جانب الحق والاهلية والكفاءات العلمية والمعرفية والاستعدادات الادارية والمهنية بلا محاباة او تمييز بين الابناء سواء كانوا مغتربين او مهجرين او مواطنين في الداخل ، اغنياء كانوا ام فقراء ، اقوياء ام ضعفاء ، مستقلين ام منتمين الى تيارات سياسية ، رغم ان المعاناة بينهم متفاوتة لأختلاف وسائل الضغط والقهر والجراح والظروف العامة ، وحتما الكل يدرك حجم المعاناة والمظلومية لمن كان تحت المطرقة مباشرة وليسجل التأريخ كيف انهم عاشوا حالة الكبت النفسي والحرمان حيث لا رأي للأنسان ولا قرار فيما يخص البلاد فهو محبوس اللسان والبدن ومسلوب الارادة نتيجة السياسة الوحشية لنظام الطاغية (صدام) القمعي حيث مصادرة حريات الشعب والمنع من ممارسات الشعائر الدينية وسلب الحقوق وتجويع الشعب واستعمال الارهاب والاعدام وتصفية العلماء والمراجع والمتدينين ومطاردة الشعب بعنوان الجيش الشعبي والانتماء الحزبي وجيش القدس والخدمة العسكرية الالزامية والاحتياط المتكرر وملاحقة ارباب العمل بجباية الضرائب المجحفة ومظالم مديرية البلدية (أمانة العاصمة) ونقابة المواصلات والاوقاف وما فعلته في المساجد والحسينيات والحرب على ايران وشمال العراق والكويت والانتفاضة الشعبانية سنة1991 م واقحام الابرياء في نار الحرب وقتل الفار منهم وتأسيس المقابر الجماعية في عموم العراق وانتهاك حرمات الناس من قبل البعثيين ازلام صدام وانقطاع الماء والكهرباء وغيرها الكثير مما لا يمكن تصوير حالة الظلم واستضعاف المؤمنين وخلق التمايز بين الافراد والجماعات بدوافع حزبية وطائفية ومع ذلك كله كان الصبر والتحدي والمقاومة والجهاد ضد هذا النظام الفاسد قائم ومستمر ضمن محاولات فردية وجماعية بحسب قانون الامكان ، وشاهدنا انه مع هذه المظلومية الكبرى لا يبيح للمواطنين في الداخل ان يضطهدوا الاخرين ويسلبوهم حقوقهم في المواطنة والعيش داخل بلدهم معززين ومكرمين وارجاع حقوقهم اليهم لأن الجميع اخوان وقد اصابهم الظلم والغربة عن الوطن ، وايضا في المقابل فان الشرع والعقل والمروءة لا تبيح للمغتربين والمهجرين الراجعين الى العراق ان يستعملوا علاقاتهم الحزبية وامكاناتهم المادية وحصولهم على المناصب السياسية والادارية لتطبيق قانون ازاحة الاخرين من المواطنين في الداخل ومصادرة حقوقهم المادية والمعنوية بدوافع حزبية واستكبارية علوا وطغيانا وكأنه ردود افعال مبيتة لتستعمل وقت القوة ضمن قانون الغابة وهو البقاء للأقوى ، وديدنهم وهمهم هو البحث عن جعل تبعية الناس لهم بكل الوسائل الممكنة عن طريق التنظيمات الكمية وليست النوعية واعطاء التزكيات لأزلام صدام المجرم والمطلوبين للعدالة ليزاولوا اعمالهم من جديد وبرتب ومناصب وامتيازات افضل مما كانوا على عهد الطاغية صدام لأنه دخل ضمن الكمية الحزبية واستلم هوية ذلك الحزب ومثل هذا يستطيع ان يتعايش مع كل فئات المجتمع وتكتلاته الحزبية لأنه لا يملك المبدئية والانتماء الحقيقي فهو انتهازي وصولي نفعي . بينما يبقى المستقل محارب ومصادر في افكاره وحريته واستحقاقاته الواقعية وكأنما العالم يقول (لا مكان للمستقلين بيننا) فهي الفئة المستضعفة التي ليس لها سند  يمكن ان تتقوى به سوى الله سبحانه وتعالى ونعم بالله القوي والناصر الحقيقي . ومما يزيد الطين بلـَّة في تخريب مجتمعاتنا الانسانية وصولا بذلك الى مطامع شخصية وحزبية هو استعمال اساليب الدعايات الكاذبة والاشاعات المغرضة ورفع التقارير الى السلطات زورا وبهتانا على المستقلين والذين لا ينجرفون وراء التبعية والمطامع الدنيوية وهذا سلوك بعيد كل البعد عن مبادئ الانسانيين على وجه العموم ومبادئ الاسلام على وجه الخصوص وهذا الامر حاصل بالوجدان مما سمعناه ورأيناه من قهر الانسان بوسائل الضغط المتعددة على الالتزام بما لا يؤمن به مفهوما او تطبيقا ، ومن يرفض يتعرض للمصادرة والظلم وقد وقع هذا الامر . 

بينما الاسلام الصحيح العادل الذي اسس نظما اصلاحية ومناهجا تربوية يعتمد قانون (لا اكراه في الدين) ، ( فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمصيطر) ، ( وما على الرسول الا البلاغ المبين) ، ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) يونس99 .

هذا هو منهج الاسلام الاصلح للانسانية جمعاء ويدعو للأصلح من الناس ويبشر بأن البقاء سيكون للأصلح ليسود المجتمع الصالح الفاضل ، الذي يعتمد على المودة والمحبة والاخاء والتعقل والحوار الهادف بعيدا عن المؤامرات والدسائس والانقلابات الدنيوية الفاسدة .

اذن ما نحن فيه وهو عراق اليوم الذي يكون بحاجة ماسة الى الجميع من اجل الجميع للعمل على ملئ الفراغات بعمل صادق وصحيح ونياة خالصة لله وليس تطبيق قانون ازاحة الاخرين بالقوة والسلطة والتحايل والمؤامرات او مزاحمتهم لأجل التضييق عليهم واحراجهم ، فالمسلم الحقيقي يجب ان يدرك ان العمل الاسلامي الصادق هو ملئ الفراغات بنشر الوعي والاصلاح والثقافة الاسلامية من اي شخص يتكفل هذه المسؤولية وليس ان يشترط جهة معينة تقوم بهذا الامر لتدعوا لنفسها على حساب الاخرين وبالتالي ينشأ الفراغ ويتسع اكثر نتيجة خلق الفتن والتفرقة والشغب ، ثم ان من مبادئ العمل الاسلامي هو ان لا يعمل الناشط المؤمن المتقرب في عمله الى الله في الاماكن المشغولة لعدم وجود الفراغ ولأن الوظيفة مؤداة من غيره فلا يشتغل بمزاحمة الاخرين وخلق اساليب شيطانية لأستبدال المبلغين الرساليين بعناصر حزبية غير كفوءة وفاقدة للأهلية سوى كونها داعية لحزب معين وكأن المساجد او الحسينيات فرق ونوادي حزبية ، والحديث في هذا طويل ولكن علينا ان نفهم وندرك حقيقة العمل الاسلامي ووظيفة المبلغين لنضع الاشياء في موضعها لأننا في عراق جديد نريد ان يكون الشعب فيه واحد يتمسك بروابطه المشتركة واما استعمال لغة التمييز والانحياز ومصادرة الاخرين والمساومات اللامشروعة على حساب الدين وحقوق الاخرين يعتبر عملا باطلا وبعيدا عن الاخلاق لنضع انفسنا اذن جميعا في ميزان الحق لنعرف حقيقة انتمائنا بتجرد عن الانتماءات الدنيوية وهوى النفس وميولها لنحكم عليها بالصحة او الفساد من اجل مراجعة النفس في طاعة الله سبحانه وتعالى لأن رضى الله سبحانه وتعالى غاية الغايات . فوظيفتنا جميعا ونحن في ظروف العراق الجديد مراعاة حقوق الجميع لتحقيق العدالة في المجتمع ونكرر بأنه يجب ان لا تؤثر علينا الانتماءات الحزبية والضغوط الدنيوية للانحراف عن مسار العدل ، فالجميع يعرف ان الاختلاف في الرأي والطباع والتوجهات امر حاصل وموجود فما علينا الا ان نوظف انفسنا لفهم ثقافة الحوار المباشر والمكاشفة والتعقل والاخوة والتعاون بعيدا عن المصادرات والمهاترات واغتصاب الحقوق التي هي من جملة الاسباب التوليدية للحقد واستمرار الصراع والاحباط وعدم الثقة بالاخرين وبالتالي يستفيد من ذلك الاعداء والنتيجة هي خسارة في االعمل الاسلامي الجماعي الذي يضعف فيه تأييد الجماهير لتفكك المجتمع وفقدانه الثقة نتيجة هذه الممارسات الخاطئة والتي فيها تمادي واصرار على الخطأ .

واما التصور الخاطئ والشائع الذي وقع به (صدام) المجرم واخرون على مستويات مختلفة هو توسيع الرقعة الجغرافية للقاعدة التنظيمية الكمية واحتلال واحتواء اكبر عدد من مراكز القوى من الابنية والتجمعات لأجل السيطرة وحيازة قلوب الجماهير وتحقيق غايات اخرى ولا يعلم هؤلاء ان في هذا العمل مردودا سلبيا وعكسيا لأن احتلال الابنية ومصادرة الاخرين لا يعني حيازة قلوب اهلها ولا يساعد على كسب عناصر جديدة بل يتسع الخرق على الراقع وينتشر ذلك في الافاق ليخسر عناوين كثيرة قد لا تكون في الحسبان وبالتالي هي خسارة كبيرة وايجاد وتوسيع الفراغات بدل من ان يملئوها والعاقل والمؤمن لا يرتكب مثل هذه الحماقات .

اذن مراعاة حقوق الانسان يكون الحل الامثل لتطبيق العدالة الاجتماعية وتحسين الصورة واعادة العلاقات باحترام متبادل وزرع الثقة عند الناس وازالة رواسب النفاق ليكون الشعب بذلك قادرا على تحقيق طموحاته بالنصر والعزة والكرامة وتحصين الامة من براثن الاستكبار العالمي وتابعيه . ولتبقى عراقية العراقي وكرامته وحقوقه محفوظة مصونة ، كما ان بنوة العراقي لا تنفصل عن الابوة ما داما في رعاية الحق ، بقي ان معرفة الحق والباطل انما تكون بالطرق الشرعية ليتم بعدها معاقبة المسيء وردع الظالم الذي هو اجراء شرعي واخلاقي وتحرزي لسد منافذ التمادي والتوسع بالشر والعدوان . والابوة الحانية تعاقب الابناء المسيئين تحصيلا للعدالة وتأديبا للأبناء والحمد لله رب العالمين ونسأل الله تعالى ان ينصر الاسلام والمسلمين ويخذل اعداء الدين من الكافرين والمنافقين ، ويبقى العراقيون ابنائنا ولكن ........... !!!