الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

المعروف :- هو كل ما يدخل في عنوان الطاعة لله تعالى بتطبيق التكاليف الشرعية ومراعاتها والاعتصام بحبل الله تعالى والتعاون والاحسان والانفاق والاطعام وغيرها الكثير مما هو حسن عقلا وشرعا .

المنكر :- وهو كل مايدخل في عنوان معصية الله تعالى مما انكره العقل والشرع من ترك التكاليف الشرعية وارتكاب القبائح كالظلم والسرقة والكذب وشرب الخمر والزنا وغيرها الكثير .

فضلهما:- وهو كبير كما ذكر في الرواية ( ان اهل المعروف في الدنيا هم اهل المعروف في الآخرة ) وأيضا ورد ( يأتي اصحاب المعروف في الدنيا يوم القيامة فيغفر لهم بمعروفهم وتبقى حسناتهم جامّة ( جامدة ) فيعطونها لمن زادت سيئاته على حسناته فيغفر له ويدخل الجنة فيجتمع لهم الاحسان الى الناس في الدنيا والاخرة ) .

أهميتهما :- ان الدعوة الى الله تعالى وحفظ النظام العام للشعوب والمجتمعات لا يتم الا من خلال الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارهما الوسيلة الصحيحة لتوضيح وتطبيق قانون الحياة ولذا فهما من ركائز الاسلام التي تبتني عليهما الدعوة وهما من صفات الخالق المعروف بالآمر والناهي والتي تخلق بهما الانبياء والاوصياء والصالحين والمراجع الربانيين والعلماء الرساليين وهي وظيفة صارت من فروع الدين الاساسية وواجبة بالوجوب الكفائي الذي ان قام به احد سقط عن الباقين وان تركه الجميع أثموا جميعا ، لذا تجد القرآن والسنة يؤكدان بشدة على الالتزام بهذا الفرع الذي لولاه لحصل التيه والضياع ولأنتشرت الفوضى وعم الخراب في الامة ولصار التحريف في معالم الدين كما عند اليهود والنصارى . قال تعالى (( ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون )) آل عمران-ا104 وقال تعالى (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )) .

وقال رسول الله (ص) :- ( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر او ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم ) . وقال رسول الله (ص) :- ( كيف بكم اذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر فقيل له : ويكون ذلك يا رسول الله (ص) ؟ قال (ص) : نعم . فقال (ص) : كيف بكم اذا امرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف فقيل له : يا رسول الله (ص) ويكون ذلك ؟ فقال : نعم وشر من ذلك . كيف بكم اذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا ؟! )   

وقال الامام الباقر (ع) :- ( ان الامر بالمعروف تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وتمنع المظالم وتعمر الارض وينتصف للمظلوم من الظالم ، ولا يزال الناس بخير ما امروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وتعاونوا على البر فأذا لم يفعلوا ذلك نزعت عنهم البركات وسلط بعضهم على بعض ولم يكن لهم ناصر في الارض ولا في السماء ) .

ووظيفة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تختص بصنف خاص من الناس كعلماء الدين فقط بل تجب على الجميع ومن يتصدى لذلك عليه ان يكون ملتزما ومطيعا في موردي الامر والنهي وان كان من الفساق قال تعالى :- (( أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم )) .

فصار امة نبينا محمد (ص) الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر خير الامم كما وصفها القرآن الكريم في الآية السابقة .

 

وعليه لا بد ان نفهم انه من يتلبس بهذه الوظيفة الرسالية فأنه يدخل في عالم الابتلاء العظيم فحيثما يتم التبليغ في كل مفردة ومورد في عالمنا فأنه سيواجه ويصطدم بعناصر رافضة لذلك خوفا على مصالحها الشخصية ومكاسبها العدوانية فيحسبون كل صيحة عليهم لذا يضعون المعوقات والعراقيل ويقومون بردود افعال سيئة وقبيحة لتأخير المسيرة او جعلها تنحرف لصالح مسارهم الشيطاني وهنا يُستبان جانب الصبر والايمان والاستقامة للقائمين بهذه الوظيفة . وخير موعظة وعبرة سيرة الانبياء والاوصياء ومن سار على نهجهم نجد انه كيف اختلف الناس فيهم وبما جاؤوا به من بينات بينما هم لم يختلفوا بسبب ارتباطهم بالواحد الاحد الذي قنن لهم نظما تنسجم وفطرة الانسان السليمة التي قد بلـّغوها الناس قال تعالى (( وما اختلفوا فيه الا من بعد ما جائهم البينات بغيا بينهم )) البقرة-213 وقال تعالى (( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جائهم البينات )) آل عمران-105 . فالبغي هنا نتيجة اتباع الهوى والضلال الذي جعلهم يبتعدون عن الرسل والآيات ولجأوا الى الفرقة والاختلاف في الكلمة والرأي والعقيدة حتى صاروا احزابا ومذاهبا ، ونشأت فيهم روح النفاق والشقاق وبالتالي المؤامرات والدسائس ولفتن والنتيجة لذلك هي الحرب . اذن عملية التذكير بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي توجد الجماعة المؤمنة الصالحة التي تناصر الدين والحق وتدعوا الى تحقيق العدالة والانصاف والمروءة في المجتمعات فكم حزب وجماعة حاربت المعصومين (ع) واشغلتهم بالحروب عن تحقيق الاهداف الكبرى للأمة كما في عهد الامام علي (ع) والامام الحسن (ع) والامام الحسين (ع) فسيرتهم خير شاهد على معاناة المبلغين الرساليين وعلى وجود العناصر المؤمنة الصادقة والعناصر الباغية ، وقد استفاد العلماء من النصوص الشرعية في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر شرائط منها :-     

ا1- معرفة المعروف والمنكر ولو اجمالا فلا يجبان على الجاهل بالمعروف والمنكر .

ا2- اذا علم ان الشخص الفاعل للمنكر لا يبالي بالامر او النهي ولا يكترث بهما لا يجب عليه الامر .

ا3- ان يكون الفاعل مصرا على ترك المعروف وارتكاب المنكر .

ا4- ان يكون المعروف والمنكر منجزا في حق الفاعل فأن كان معذورا في فعله المنكر او تركه المعروف لاعتقاد ما فعله مباح وليس حرام او ان ما تركه ليس بواجب وكان معذورا في ذلك للأشتباه في الموضوع او الحكم اجتهادا او تقليدا لم يجب شيء .

ا5- ان لا يلزم من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرر في النفس او في العرض او في المال على الامر او على غيره من المسلمين ولكن هذا الشرط لا يطـّرد في جميع الموارد فأن الدفاع عن الدين والوطن واجب وهو اعلى مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي فيه مجاهدة عظيمة تستدعي بطبعها الضرر . قال تعالى :- (( ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن )) التوبة-111   وورد في الحديث ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) .

 

مراتب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر

    المشهور عند علمائنا ان مراحل انكار المنكر انما تكون بالترتيب المعروف وهو انكار بالقلب ثم باللسان ثم باليد اي استعمال القوة ولا يجوز التخطي الى المرتبة الاخرى ما لم يحرز عدم جدوى المرتبة الاولى وهكذا الثبوت بمعنى كراهة المنكر او اظهار الانزعاج من الفاعل او الاعراض عنه او ترك الكلام معه واذا كان المانع مفقود باقي المراتب شدة وضعفا فيكون بالشكل الاتي:

ا1- الانكار بالقلب انما هو دافع ايماني باحكام الشريعة الباعثة والمحركة للانسان المؤمن نحو اخراج الحكم الى الخارج فالمقتضي والشرط موجودان فاذا وجد المانع لابراز هذا الحكم فأنه سيبقى الانكار قلبيا في عالم

فأن عمل المقتضي ساري المفعول ليتحول الى المرتبة الاخرى وهو الخطاب باللسان الى عالم الاثبات 

ا2- الانكار باللسان انما هو دافع تبليغي بمعنى استعمال الوظيفة الشرعية للوعظ والارشاد والنصح .

ا3- الانكار باليد انما هو عمل تنفيذي لاستنقاذ الحق وارجاعه الى اهله باستعمال القوة الرادعة عن المنكر وتحقيق العدالة .

واما الحديث المروي عن الرسول (ص) :- ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فأن لم يستطع فبلسانه فأن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان ) .   

فالملحوظ هنا جانب التغيير وازالة المنكر وليس النهي وفرق ما بين التغيير والنهي كما ذكر ذلك في تفسير الشيخ محمد جواد مغنية (قدس سره)، (تفسير الكاشف) ج4/ص124، حيث قال : (النهي عن المنكر يكون قبل وقوعه في الغالب فهو اشبه بالوقاية كما لو احتملت ان شخصا يفكر بالسرقة، فتنهاه عنها واما تغيير المنكر فيكون بعد وقوعه كما لو علمت ان شخصا سرق محفظة الغير ، فان كنت قادرا على انتزاعها من السارق وردها الى صاحبها وجب عليك ان تباشر ذلك بنفسك برد المحفظة الى صاحبها وتنهاهه عن امساكها فاذا لم تستطع مُقت السارق ولم ترض بفعله بينك وبين ربك فموضوع الحديث هو تغيير المنكر لا النهي عن المنكر)0

 

 

((بعض اصناف المعروف))

‍‍1- التوكل على الله تعالى 0

‍‍2- الاعتصام به والتعاون على البر0

‍‍3- حسن الظن بالله تعالى0

‍‍4- الاحسان والانفاق والاطعام0

‍‍5- الصبر عند البلاء وعن محارم الله0

‍‍6- التواضع والتخلق بما امر الله سبحانه وتعالى0

‍‍7- عفة الفرج والبطن عن المحرمات0

‍‍8- اشتغال الانسان بعيبه عن عيوب الناس، قال رسول الله(ص):(طوبى لمن شغله خوف الله عزوجل عن خوف الناس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين)0

‍9- انصاف الناس حتى من النفس فقد قال رسول الله(ص): ( سيد الاعمال انصاف الناس من نفسك ومواساة الاخ في الله تعالى على كل حال)0

 

 10 ‍- متابعة الاهل والاخوان والاصدقاء بالنسبة للعبادات والمكاسب المشروعة وتحذيرهم من الحسد والغيبة والنميمة والبهتان والعدوان وغيرها من القبائح0

  ‍‍- حماية المساجد والحسينيات وتوفير حصانة لهما من الفاسدين والعابثين والاحزاب كما ويجب توفير الحماية والحصانة للعلماء الرساليين المرتبطيين بالله تعالى لانهم يمثلون واجهة الاسلام الصحيحة بعيدا عن الظلم والانحياز والتحزبات المقيته البعيده عن الشرع الشريف0

 

 ‍‍11- ابعاد العناصر الفاسدة الدخيلة والغريبة عن الاسلام المُلَبّسة بلباس الدين زوراً وعدوانا ولمجهولية حال تلبسهم بذلك وبدوافع بعيدة عن الاسلام فيجب منعهم من استلام مهام قيادية في المجتمع، لان ذلك يضعف روح الايمان ويخلق الشقاق ويزعزع الثقة عند الناس بالمراجع والعلماء الرساليين كما ويعتبر تمكين هذه العناصر من المجتمعات الاسلامية من اساسيات الظلم والعدوان0 

    12 - اذا كان الانسان في موقع الحكم الذي هو مسؤولية شرعية يترتب عليها مساءلة امام الشعب في الدنيا وامام الله في الاخرة فيجب عليه عدم اتخاذ مواقف سلبية او ايجابية نفيا او اثباتا بدون مراجعة طرفي الخصومة والنزاع والاستماع الى وجهات نظرهما وادلتهما لمعرفة الحق لاجل الحكم به بدون الرجوع والاعتماد على عناصر رديئة في المجتمع تحمل عقد نفسية واحقاد مريضة وحسد لتمرير واقعهم السيء على ارباب الحق، واذا ما وقع الحاكم في وهم وتضليل فعليه الرجوع الى الحق امتثالا لاوامر الله سبحانه وتعالى ومراعاة لحقوق الناس0

 قال الامام ابو عبد الله (ع): ( انما شيعة جعفر(ع) من عف بطنه وفرجه واشتد جهاده وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف عقابه فاذا رايت اولئك فاولئك شيعة جعفر)0