الأحزاب في مَهَبِّ الريح
من المعلوم أنَّ الإنسان مُكَلَّف بالإيمان والالتزام بالشريعة مما يفرض عليه الكينونة ضمن دائرة الحُجَّة الشرعية على صعيد الذات وتقلباتها الخارجية لتبرأ ذمته ويسمو بذاته إلى المراتب العليا من القرب الإلهي الذي يُمثل ميزان الحق والعدل في جهة التقييم والفرز والاستحقاق ، ومن هنا ينبغي أنَّ تكون حلقة الارتباط والتواصل والعمل حُبّاً في الله عزّ وجل لأنَّه مصدر الوجود والنظام والفيض والنعم ، وقد تَفَرَّع عن هذا المصدر خطوط طولية تراتبية متصلة بالمصدر وتستمد حجيتها منه تؤدي وظيفة التَحَمُّل والأداء لحفظ الشريعة وتبليغها وبيانها إضافة إلى ممارسة الدور القيادي للأمة لتكتمل عناصر حفظ النظام العام بالحق والعدل ، وكما تَمَّ التفريع طولياً عن مصدر الوجود بجعل سلسلة مرجعيات فقد تَمَّ المنع عن اتخاذ خطوط عرضية موازية للمصدر الحق لأنَّ ذلك يوقعهم بالانحراف والضلالة على الصعيد الفكري والتشريعي والسلوكي ليُحكم عليهم بالفسق أو الكفر أو الشرك .
ومن هنا يُمكن الفرز والتمييز بين الخطوط الطولية والخطوط العرضية لمصدر الوجود حيث يُمثِّل أئمة الهدى من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والإمام عليه السلام والفقيه الرسالي العادل خطوط طولية ومرجعية متسلسلة متصلة بالخالق العظيم وتستمد مشروعيتها وحجيتها منه عزَّ وجل ، في حين يُمَثِّل أئمة الضلال خطوط عرضية أي في عرضٍ واحد تعمل بالتوازي والندِّية للخالق العظيم فتنفصل عن ارادته ومرجعيته ، ويقف المُكلّف اتجاه هذه الصورة الواضحة بين الطريقين ليختار ويتحمل مسؤولية اختياره في الدنيا والآخرة كما صرَّح بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : [يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ] الإسراء/ 71 ، فيأتي كل صنف وفريق وحزب مع إمامهم الذي كانوا يأتمون به في الدنيا وينضوون تحت لوائه وإمرته ، وفي امالي الصدوق رحمه الله باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال : سئل رجل يقال له بشر بن غالب ابا عبد الله الحسين عليه السلام فقال : يا بن رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل: (يوم ندعوا كل اناس بامامهم) قال : امام دعا إلى هدى فأجابوه إليه وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها ، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وهو قوله عزوجل : (فريق في الجنة وفريق في السعير).
ولخطورة الانتماءات والتوجهات البشرية ذات المصالح والأهداف الضيِّقة والمُصَنَّفة إلى فِرَق ومذاهب ومنظمات وأحزاب التي تُمثل خطوط عرض أي في قبال مصدر الحق والعدل نجد أنَّ الخالق عزَّ وجل ومن سار على نهجه ومرجعيته قلباً وقولاً وعملاً قد أكدوا على ضرورة تجنب الضالِّين في موارد كثيرة حتى في مورد الإصغاء لهم ومورد حبهم ومورد حُب عملهم ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من أحب قوما حشر معهم ، ومن أحب عمل القوم اشرك في عملهم.
فيكون المنتمي لهذا الحزب أو ذاك والمُحب لهم أو لعملهم من موارد الحشر والوقوف معهم يوم القيامة للمساءلة والحساب حيث يصبح شريكاً لهم يتحمل معهم وزر الفساد والإفساد والمظالم والدماء و.... بعدما ثبت باليقين فساد وظلم وفشل الأحزاب فيُحْشَر المنتمون معَ أحزابهم وكذا من أحبَّهم أو أحبَّ عملهم .
وعن أبي جعفر(عليه السلام) قال : "مَن أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق يؤدّي عن الله عزّ وجلّ فقد عبد الله ، وإن كان الناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان ".
ويظهر اليوم بالعيان كثرة الأحزاب والانتماءات المتعددة والولاءات المتضادة والحركات الضالّة سياسياً وعقدياً حيث يُعلن المنتمي على مستوى القيادة والأتباع خلاف ما يُبطن ويتخذ موقفاً خلاف ما يدَّعي من إيمان ويرتكب المحرمات ويُمارس النفاق والدجل ويُكثر من الثرثرة السياسية والاجتماعية الفارغة عن المضامين الحقيقية والمواقف الأصيلة ليعيش في عالم يصنعه الحزب ويُظهره للوجود على أنَّه هو الحق ويرفعون لذلك رايات وشعارات برّاقة يُضلّون بها الناس ويُدافعون عن رموزهم ومواقفهم ويزعمون كذبا وزورا أنَّهم في خط الله تعالى وتحت راية المرجعية الدينية من أجل تمرير أهداف وغايات شيطانية خطيرة تُعارض الخط الإسلامي الأصيل ، وقد قال تعالى : [كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] المؤمنون/53 ، حيث يفرح المنتمون بما اختاروا لأنفسهم من حزب ظنّاً منهم أنَّهم على حق وخير في حين أنَّهم يعيشون تحت الولاءات المتضادة والانحرافات الحزبية والنفاق السياسي والفساد المالي والإداري والمنهجي ... وهذه حقيقة قرآنية ثابتة بالوجدان ومواقف معلومة ظاهرة للعيان وواقع اجتماعي وسياسي مرير ولكنَّ المتلبسين بلباس الدّين من معممي الحكومات يتسلطون على الإعلام والأموال ويحكمون الناس بالكذب والفساد والحيلة والتضليل من دون أن يملكوا مشروعاً اسلامياً أو خطاباً رسالياً بل ولا يحملون رؤية استراتيجية لدولة قابلة للحياة ولكنهم وللأسف الشديد يرفعون شعارات برّاقة فارغة المضمون ويتظاهرون بصورة الإسلام كعنوان بلا عدل ولا انصاف كالجسد بلا روح ومع كل ذلك يملكون الوقاحة للدفاع عن باطلهم وفسادهم ويقلبون الحق باطلاً والباطل حقاً وتأخذهم العزةُ بالإثم فيدورون مدار مرجعيتهم الحزبية وليس مرجعية الكتاب والسُنَّة ورموز الحق والعدل الذين هُم في الخط الطولي لمصدر الحق ، ولذا فالأحزاب تحتاج في حركتها إلى مباني ومواقف وأحكام ومنهجية عمل وقيادة شرعية تقودهم إلى بَرِّ الأمان وإفراغ الذمَّة ولا يكون ذلك إلا بقيادة ومرجعية الفقيه الرسالي العادل وبخلاف ذلك لا تنال الأحزاب مشروعية للعمل ، ولذا نجدهم يتخبطون في الضلالة والفساد لكونهم يسلكون درباً منحرفاً في التنظير والتطبيق مع تقمصهم لمظاهر دينية كاذبة يُضلّون بها الناس وهم في واقعهم أفقر الناس إلى الجهاد بقسميه الأكبر والأصغر وكما قال الإمام الحسين عليه السلام : الناس عبيد الدنيا والدِّين لعق على ألسنتهم يحوطونه مادرَّت معايشهم فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديَّانون .
ولذا من يُدافع عن هذه الأحزاب أو يعقد الحب والولاء لهم أو يرضى بعملهم أو ينتخبهم ليُمكنهم من التسلط على رقاب المؤمنين إنما يحشره الله معهم يوم القيامة ويقف على الصراط معهم ويُسأل عن الدماء والأموال والمظالم والمفاسد والانحرافات التي ارتكبها هذا الحزب أو ذاك ، فانظر إلى نفسك أيُّها المؤمن وحاسبها وحدِّد خياراتك فأنت مسؤول عن ذلك يوم القيامة ولا تتصور أنَّ بإمكانك أن تجمع بين ولائين متعارضين كما لا تغرك دعوات الأحزاب المُلبَّسَة بلباس الدّين والمذهب لأنَّها لا تستطيع أن تعمل وتُحقق أهدافها الحزبية إلا من هذا الطريق فيستعملون كل أساليب التضليل والدجل لكسب الناس وتعبئة الجماهير وإيقاعهم في فخاخ أحزابهم ، فهل ترغب أن يحشرك الله مع هذا الحزب أو ذاك أم يحشرك مع محمد وآل محمد ومن اكتسب شرعية العمل كالفقهاء العدول الذين قال عنهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم : الفقهاء أمناء الرسل ، والفقهاء قادة والمتقون سادة ، وعلماء أمتي أفضل من أنبياء بني اسرائيل وإلى غير ذلك كما لا تغرك مزاعم الأحزاب الكاذبة بأنهم على خط المرجعية لأنهم أبعد ما يكون عن خط المرجعية قلباً وقولاًُ وعملاً والواقع العملي لأكثر من عشر سنين داخل العراق كشف زيف هذا الإدعاء لأنَّ ارتباطهم بالمرجعية يتحدد بالقدر الذي يُحقق مصالحهم وأهدافهم فقط وخصوصاً أيام الانتخابات والأزمات والمآزق وإذا انتهى مقدار المصلحة تنتهي العلقة ويبدأ الدور التنظيري التضليلي والإعلام المبني على الثرثرة الفارغة والتحليلات الكاذبة ، وأمَّا لقاء المرجعية بشخصيات حزبية فإنَّه لا يمنحها التزكية ولا يُوَفر لها غطاءاً شرعياً كما لا يكشف اللقاء عن كون هذه الشخصيات ملتزمة بأوامر المرجعية ولكن ينبغي العلم أنَّ المرجعيات الدينية جهة رسالية اصلاحية تستقبل البّرّ والفاجر وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتُقدِّم المشورة والنصيحة فمن زوّارها مَن يسترشد ويأنس بمشورتها وهم قليل جدا ومن غير الأحزاب ومنهم من لا يلتزم ذلك وهم الفئة الكثيرة وإلا لما وصلنا إلى هذا الحال المأساوي الفضيع على مختلف الصُعُد ودخول داعش الى العراق وسقوط الموصل وبعض المحافظات الأخرى إلى درجة سعي أكثر من مائتي سياسي حزبي للهرب خارج العراق من خلال تقديم جوازات سفرهم لسفارات بعض الدول المجاورة لتحصيل تأشيرة دخول إليها ولكن لولا فتوى الجهاد الكفائي وتطوع الحشد الشعبي وفصائل المقاومة لصد هجوم العدوان الخارجي من داعش وخونة الداخل لانتهت الدولة العراقية .
ومن هنا يمكن القول بأنَّه لا يُقاس قطعاً بأيِّ حال أرباب السلطة والسياسة برجال العمل والجهاد من المتطوعين المجاهدين كالحشد الشعبي وفصائل المقاومة الأبطال لأنَّ الأحزاب الحاكمة جهات استهلاكية ضررية تعمل على نهب الشعب ومصادرة حقوقه والمساومة عليه لتمويل أحزابهم ورموزهم وديمومة سلطانهم ونفوذهم من غير كلل ولا ملل ولا شبع ولا حياء فيبعث وجودهم على التناحر والتمزق والظُلْمَة والتخلف والإحباط والبؤس والشقاء وهدفهم السلطة والنفوذ والمال بخلاف المجاهدين فإنَّهم جهات إيمانية ووطنية تشعر بالمسؤولية وتبعث على الأمل والمستقبل يملؤهم العطاء والإيثار والتضحية من أجل سلامة الشعب ورعاية حقوقه بالعدل والإنصاف وحفظ وحدته أرضاً وشعباً ، ولا يُقال إمكان اجتماع رجال السلطة والمقاومة في جهة تدينية واحدة لأنَّ هذا من الفرد النادر جداً الذي ينفيه قطعاً الوجدان والواقع الراهن لاختلاف النوايا والمصالح والأهداف وحيث أنَّ الجهاد والمقاومة دِينٌ يشمل جميع مفاصل الحياة على الصعيد الحكومي والسياسي والأمني والعسكري والاقتصادي والاجتماعي ووو وهذا أمر تفتقر إليه عموم الأحزاب والكتل السياسية على الساحة العراقية فتدبروا يا أولي الألباب وحصِّنوا أنفسكم وحافظوا على دينكم ولا تأخذكم العزة بالإثم فتُحشروا مع الأحزاب والعياذ بالله ، ونسأل الله تعالى تعجيل فرج صاحب العصر والزمان المهدي الموعود ليملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.