إفقار الشعب وإسقاط الدولة

من المعلوم أنَّ الدولة متكونة من أركان ثلاثة وهي الأرض والشعب والحكومة ، إلا أنَّ هذه الأركان تعيش حالة غير مستقرة وغير منسجمة في عراقنا الجريح لتعدد الانتماءات والولاءات وانقسام الشعب بسببها على نفسه وتغليب المصالح الحزبية والعرقية والطائفية على مصلحة الشعب والوطن العليا ليتم على هذا الأساس توزيع ثروات البلد محاصصة بين هذه القوى النافذة والمتسلطة بما لا ينال الشعب منها سوى القهر والظلم والدم لاستيلاء الزعامات وأحزابهم على تلك الثروات .

وأمَّا الأرض فلا تملك الدولة السيادة عليها وهي مهددة بالانقسام والانشطار بل الأمر واقع لكون أجزاء واسعة ومهمة تحت سيطرة قوى التكفير وحواضنهم البعثية الصدّامية والقوى الكردية الذي يُمثلون ثلاثي الأضلاع لتقسيم العراق مع انضمام الضلع الرابع لهم الذي يدعوا إلى التقسيم تحت عناوين مختلفة وسياسة تضليلية وممارسة ثعلبانية ماكرة ليكتمل مربع العمالة لتحقيق أهداف الاحتلال الأمريكي للعراق .

وأمَّا الحكومات المتعاقبة وأحزابها وكتلها النيابية فقد مثَّلَت قمة الفساد والانحراف والعمالة والفشل ، وهي تتسابق لإبراز أبشع أنواع التضليل والدجل والسرقة والشعارات الكاذبة والبرامج الوهمية وانشغالهم بحساباتهم وأرصدتهم المصرفية في البنوك العالمية وعقاراتهم المنتشرة على ربوع الأرض وخروج عوائلهم إلى خارج العراق مع حملهم لجنسيات متعددة حتى أوصلوا العراق إلى درجة من الضعف والتفكك والتمزق ليكون لقمة سائغة تبتلعها قوى التكفير والبعث والكرد وعملائهم في مؤامرة واضحة الخيوط والمعالم مهما تَسَتَّرَ عليها القضاء والإعلام والمرتزقة .

وهذه السياسة الاستكبارية الشيطانية التي تلعبها الأحزاب مع هذه القوى قد أسَّست وأشاعت بين الشعب عناصر الانهيار والاستعباد من الجهل والفقر والمرض التي تُمَثِّل واقعاً مسلكية المستعمرين فلها جذورها وأهدافها وما زالت تتكرر على نفس الشعوب لسرقة خيراتها وإضعاف قدراتها في مختلف المجالات إضافة إلى إجراء التقسيم الطبقي للشعب بمباركة وعمل اقطاعيي السياسة وعصابات الفساد والإرهاب تنفيذا لسياسات استكبارية ، ولذا نجد أنَّ الدولة فاقدة لكل مقوماتها ومراكز قوتها ، ثُمَّ إنَّ ما ذكرناه لم يكن مستغرباً من جهات باعت دينها ووطنها وهي تُمارس نفس الدور البعثي لكون مسيرتها واقعاً تُمَثِّل الامتداد لمسيرة النظام البعثي مع وجود جملة كبيرة من رموز البعث معهم يقودون العمل السياسي تحت عناوين مختلفة ، ولذا فالتطبيقات السياسية اليوم في العراق إنَّما هي سياسة موروثة عن نظام البعث الصدّامي بمزيج من املاءات قوى الاستكبار العالمي وشيطنة الأحزاب حتى كاد الشعب لا يُفَرِّق بين نظام صدّام المقبور وهذه الحكومات لأنَّهما وجهان لعملة واحدة ومسيرة متواصلة بما يصح أن يُقال عنهم (( البعثيون القدامى والبعثيون الجُدد)) ، ومن سيء إلى أسوء .

وما نلحظه واقعاً بما لا يحتاج إلى برهان أنَّه كُلّما زادت صادرات النفط وتضخمت ميزانية الدولة زاد فقر الشعب واتسعت المعاناة والمظالم وارتفعت واردات الأحزاب وزعمائها ومرتزقتها على حساب الشعب ومصالحه العليا ، ولم تكتفي هذه الجهات المتسلطة على رقاب الشعب بما تسرقه من واردات النفط ورسوم الدولة المختلفة بل سارعت إلى فرض سياسة التقشف على الشعب مع زيارة الضرائب ومضاعفة رسوم الكهرباء والماء والمشتقات النفطية مع قلة أو انعدام الخدمات عملاً بسياسة ((احلبوهم الدّر فإن لم تجدوا احلبوهم الدم)) ، وفعلاً قد حلبوهم الدّر والدم تحت ذرائع لصوصية وهي عجز الميزانية عن تسديد نفقات الحرب ضد الإرهاب ونفقات مؤسسات الدولة الفاسدة والفاشلة من الحكومة المركزية والمحلية والمجلس النيابي والمجلس الرئاسي ، بل لم يتوقف الحال عند هذه التصرفات اللصوصية والإجرامية حتى بادروا إلى رهن الدولة بما فيها لتصبح أسيرة بيد صندوق النقد الدولي وأمثاله من الدول حيث استقرضوا منهم مليارات الدولارات ليصبح العراق النفطي مُكبَّلاً بالديون وعاجزاً عن النهوض لعشرات السنين ، ففي أيّ دولة نعيش ؟ ، وتحت أيّ نظام ؟ ، ومن هم القادة ؟ ، والشعب يعيش التيه والضياع والأوهام على أمل أن تأتي الانتخابات ليُحدث التغيير الاسطوري الذي لا يتغير معها أحد مهما فعلوا !!! ، لأنَّ الانتخابات عملية زائفة برمتها حيث لا فائدة منها لأنَّها مبنية مُسْبَقاً على الاتفاق السياسي والمحاصصة الحزبية والقومية والطائفية ، وتغيير المواقع لا يُغير من الواقع شيء ، كما أنَّ تغيير الوجوه صورياً يُعَدُّ تزويراً وتضليلاً لإرادة الشعب ، إضافة إلى أنَّ الكثير ممن فشلوا في الانتخابات صاروا يمتلكون مناصباً عليا في الدولة سواء في المجالس التشريعية أو التنفيذية ، فأين الاستحقاق الانتخابي ؟!!! ، كما لا ديمقراطية في العراق مع وجود الارهاب والفاسدين والفاشلين داخل العملية السياسية واستعمال الحكومة سياسة كتم الأفواه بالقوة ، فأيُّ ديمقراطية والشعب لا يستطيع أن يخرج بتظاهرات سلمية ضد الفساد وانعدام الخدمات لأنَّه يُتَهم بأخسِّ الاتهامات ويُهدَّد باستعمال السلاح ضدَّه من قبل ميليشيا هذا الحزب أو ذاك وقد فعلوا وسُفِكت دماء كما في البصرة وغيرها ، وستبقى الدولة أسيرة وعاجزة ومنهارة مادام هؤلاء يتسلطون على رقاب الشعب اليتيم ، ولكنهم مع هذا فَهُم على استعداد دائماً للهرب إلى بلدانهم الأخرى المُجنَّسين فيها بانتظار أن يدق ناقوس الخطر عليهم كما حصل حينما سقطت الموصل وانفلت النظام وقد قُدِّمَت جوازاتهم إلى بعض السفارات لأخذ التأشيرة منها للهرب ... ولكن حدث ما يعلمه الشعب والعالم .

ابو الحسن حميد المُقَدَّس الغريفي
3/شوال/1436هـ
الموافق 20/تموز/2015 م
النجف الاشرف